بهاء الدين الجندي اليمني
325
السلوك في طبقات العلماء والملوك
نلت ما لم ينل سواك ثم قلت له من أين جاء في هذه الليلة ؟ قال أخبرني أنه جاء من عند الفقيه الزاهد عمر بن إسماعيل من ذي السفال وذكر أنه أملى عليه من المهذب من باب مواقيت الصلاة ، قال مؤلفه عفا اللّه عنه وهذا يؤيّد ما ذكرته عند ذكر الفقيه عمر فيما تقدم ، وأنه كان يصحب الخضر ويملي عليه شيئا من المهذب في أثناء نسخه له . قال المقرئ الصدائي : وكان معظم رغبتي بالاجتماع بالخضر لأسأله عن صحة المعتقد الذي أنا عليه وذلك أني كنت قرأت التبصرة رواية الزنجاني عن عبد الواحد الشيرازي وكتاب الشريعة للآجري واعتقدت ما فيهما ، ثم كان قد تطرّقني تشويش فيهما من بعض المخالفين ، فلما رأيت ما رأيت في المنام تثبّت في معتقدي وعلمت أنه الحق . قال الفقيه الصالح سفيان نفع اللّه به ، كان هذا المقرئ رجلا فاضلا بالقراءات والفقه والنحو ، وقد أخبرني أنه منذ رأى في المنام كان كثير المجانبة لمن يتهم باعتقاد خلاف معتقد الكتابين المذكورين ولا يميز كبيرا ولا ذا جاه لذلك ، ولما هرب أهل زبيد خوفا من ابن مهدي إلى عدن وسواها كان من جملة من وصل عدن الفقيه حسين المقيبعي ، فوصل مرّة إلى باب المقرئ واستأذن عليه فلم يأذن له وعاد خائبا فقيل للمقرئ ما كان ينبغي ردّ هذا الفقيه من بابك ، فلم يجب قائل ذلك فألحّ عليه جماعة من خواصه بالسؤال عن سبب ردّه وربما أقسموا عليه ليخبرهم عن ذلك ، فقال إني لما فرغت من كتاب التبصرة قراءة متقنة ثم قرأت بعده كتاب الشريعة للآجري ومعتقدهما واحد ، وتقرر عندي معتقدهما وصحته سافرت للحج فرافقني فقيه من أهل تهامة وعادلني في محمل من السير فجعلنا نتذاكر العلم وأنست نفسي إليه ، ثم إنّا خضنا يوما في المعتقد فما زال بي ذلك الفقيه اللعين حتى أفسد عليّ ما ثبت عندي من المعتقد فلما جاء الليل ونمت رأيت كأني بواد مظلم وبه ملك رجلاه بتخوم الأرض ورأسه في السماء وهو يصيح : يا معشر القرود يا معشر القرود ، فأقبل إليه قرود كثيرة فقال لهم صكوا وجه هذا المقرئ ودبره وقولوا يا مرتدّ يا مرتدّ فجعلوا يضربون وجهي ودبري كما أمرهم ويقولون ما قال لهم حتى وجدت لضربهم ألما عظيما ، كما لو كان باليقظة ولم أنتبه حتى تورّم وجهي وانتفخت عيناي وفي يدي جروح كثيرة من أيدي القردة فعلمت أنّ ذلك بتغير معتقدي إذ لم أحدث شيئا غيره فلما أصبحت أخذت هدادي واعتزلت عن معادلي وعزمت على معاودة معتقدي ، فلما نمت الليلة الثانية رأيت ذلك الملك بعينه يقول يا مقرئ استأنف العمل ، فإن اللّه قد أحبط عملك الماضي بما حلّ في باطنك من رواية ذلك الملحد وقبول كلامه واستحسانه فنسأل اللّه العصمة من عقيدة تخالف العقيدة التي